مررت ليل الإثنين الماضي، الرابع والعشرين من جمادى الثاني 1447 هـ الموافق للخامس عشر من ديسمبر 2025م ، بقصر عبد المقصود خوجة في الخالدية بجدة فلم أر سيارة واحدة. وكان الشارع إذا مررت به مساء يوم إثنين لا تجد موطئ قدم لسيارتك لشدة الزحام لحضور الأمسيات الثقافية والأدبية والعلمية التي كان المرحوم عبد المقصود خوجة يقيمها.
أما الجيل الجديد فقد انصرف عن هذه الندوات وهذه المجالس الرائعة التي تفتح العقول. غير أن الأستاذ عبد المقصود كما لو كان قد استعد لهذا الإهمال الذي سيقع من بعده فطبع عشرات المجلدات التي تضم التراث العظيم الناتج عن أمسيته خلال أكثر من أربعة عقود منذ عام 1440. فلقد استضاف أكبر الشخصيات في العالم العربي في مجال الفكر ومنهم د. محمد عمارة وفي مجال الشعر ومنهم الشاعر السوري عمر أبو ريشة وفي علم الحديث النبوي كالشيخ محمد عوامة وفي الطب كالدكتور محمد علي البار والدكتورة سميرة إسلام كما استضاف نخبة مثقفي المملكة مثل الشيخ عبد الله بلخير والأستاذ عبد القدوس الأنصاري وأبي تراب الظاهري. وعشرات وربما مئات غيرهم. منهم وزراء وسفراء وأكاديميون ورجال أعمال. وترك خلفه موسوعة كبيرة من الأدب والثقافة والفكر والعلوم والسير المرموقة في العالم العربي.
بلا شك إن لقاء العقول يعني تلاقح الأفكار. لكن المقصود اللقاءات المثمرة لا على لعبة البلوت أو على مباراة كرة قدم. وبكل أسف توقفت في جدة الدروس المنزلية التي كانت تقام في منزل آل باسندوة وآل خرد وآل الحداد وآل السقاف وآل الجفري.
وبما أن الإنسان كائن مدني فهو لا يستغني عن الدردشة سواء على كتاب فقهي أو ديوان شعر أو حتى كلام عابر في الشؤون والشجون التي من حوله. وقد أخبرني صديق أنه في مساجد تركيا توجد غرفة عند باب المسجد يلتقي فيها بعض المصلين وتدور عليهم كؤوس الشاي فيما هم يتجاذبون أطراف الحديث. تلبية لنداء الفطرة المدنية التي يشعر بها ابن آدم. أي مقهى تابع للمسجد بالمجان وأحيانا بمقابل.
وحتى البدو الرحل كانوا يستمتعون بلقاء الناس وأكثر ما يدور حوله حديثهم هو الغيث وأين أمطرت السماء وأين أثمرت. ونحن بحاجة للقاء العقول لكي تمطر وتثمر.
ياالله بعودة سالمين بجاه رب العالمين
